امارات الحب
يصاحب الحبَّ مظاهرُ جسدية ونفسية وعاطفية مميزة تبدو في تصرفات المحبِّ وكلامه وحركاته وإشاراته ، وقد أفاض ابن حزم في كتابه الشيِّق ( طوق الحمامة ) بتفصيل هذه الأمارات فذكر منها : ( إدمان النظر ، والإقبال بالحديث إليه ، والإنصات لحديثه ، والإعجاب بكل ما يصدر عنه ، وتصديقه وإن كذب ، وموافقته وإن ظلم ، والشهادة له وإن جار ، واتباعه كيف سلك ، وتعمد القعود بقربه والدنو منه ، والتباطؤ في الشيء عند القيام عنه .. ومنها بَهَتٌ يقع وروعة تبدو على المحب عند رؤية من يحب فجأة ، ومنها اضطراب يبدو على المحب عند رؤية من يشبه محبوبه أو عند سماع اسمه ، ومنها أن يجود المحب ببذل ما كان يقدر عليه مما كان ممتنعاً به قبل ذلك .. فكم من بخيل جاد ، وجبان تشجع ، وغليـظ الطبع تطـرَّب ، وجاهل تأدَّب ، وذي سنٍّ تفتَّى ، وناسك تفتَّك ، ومَصون تبدَّل ! وهذه العلامات تكون قبل استعار نار الحب وتأجج حريقه وتوقد شعله واستطارة لهبه ، فأما إذا تمكَّن وأخذ مأخذه فحينئذ تـرى الحديث سِراراً ، والإعراض عن كل ما حضر إلا عن المحبوب جهاراً .. ومن علاماته وشواهده الظاهرة لكل ذي بصر : الانبساط الكثير الزائد والتضايق في المكان الواسع ، والمجاذبة على الشيء يأخذه أحدهما ، وكثرة الغمز الخفي ، والميل بالاتكاء ، والتعمد لمسِّ اليد عند المحادثـة ، ولمس مـا أمكن من الأعضاء الظاهرة ، وشرب فضلة ما أبقى المحبوب في الإناء ، وتحري المكان الذي يقابله فيه .. ومنها علامات متضادة ، فالأشياء إذا أفرطت في غايات تضادها ووقفت في انتهاء حدود اختلافها تشابهت ، قدرةً من الله عزَّ وجلَّ تضلُّ فيها الأوهام ، والفرق بين هذا وبين حقيقة الهجر والمضادة المتولدة عن الشحناء ومخارجة التشاجر سرعة الرضى ، فإنك بينما ترى المحبين قد بلغا الغاية من الاختلاف الذي لا يقدر يصلُح عند الساكن النفس السالم من الأحقاد في الزمن الطويل ، ولا ينجبر عند الحَقود أبدأ ، فلا تلبث أن تراهما قد عادا إلى أجمل الصُّحبة ، وأهدرت المعاتبة ، وسقط الخلاف ، وانصرفا في ذلك الحين بعينه إلى المضاحكة والمداعبة ، هكذا في الوقت الواحد مراراً ! ومن علاماته حب الوحدة ، والأنس بالانفراد ، ونحول الجسم ، والسهر .. ومن علاماته أنك ترى المحب يحب أهل محبوبه وقرابته وخاصته حتى يكونوا أحظى لديه من أهله ونفسه ومن جميع خاصته .. والبكاء من علامات المحب .. )