يقع على المؤسسات التعليمية ومناهجها مسؤولية تحصين الناشئة والشباب من التحديات الفكرية والثقافية والتقنية والأمنية والوصول بهم إلى بر الأمان في ظل الصراعات المتلاطمة التي يعيشها العالم اليوم.
وقد كانت -وما تزال- سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية مثالاً يحتذى به؛ لأنها تهدف إلى غرس العقيدة الإسلامية وتربية النشء على تعاليم الإسلام وقيمه وآدابه.
ومن هذا المنطلق فإن تفعيل دور التعليم في بناء الشخصية المتزنة أمر ضروري ومهم، ولعل هذا البحث يسهم في توضيح هذا الدور، وتبصير المعلمين والطلاب بالاتجاه الصحيح، وعدم الانسياق مع الفكر المنحرف الذي يدمر البلاد والعباد.
وتتضح أهمية هذا البحث في كونه محاولة لمواجهة الغلو والانحراف والغزو الفكري والممارسات المخالفة للاتزان والوسطية والقيم المزيفة وذلك بتفعيل دور التعليم وأدواته وطرقه ووسائله في بناء الشخصية المتزنة الصالحة بتفكيرها واتزانها ووسطيتها.
والتعليم لا يهدف إلى تحصيل الحقائق والمعلومات فقط وإنما يتعدى ذلك إلى تعليم المهارات، وأساليب التفكير، والاتجاهات والقيم.
ولأن المناهج الدراسية هي المناهج نفسها التي كانت تدرس قبل عشرات السنين لم يطرأ عليها إلا بعض التعديل؛ فلماذا اختلفت الأمور في هذه الأيام؟ ولماذا سرى بين صفوف شبابنا هذا الفكر الظلامي المدمر الضال؟
إن ربط ما يحدث من تطرف وغلو بمناهج التعليم يفتقر إلى دليل لإثبات صحة هذا الربط فنحن إذا افترضنا أن المناهج عامل مؤثر وموجد للغلو والتطرف فإنه يتحتم على هذا الافتراض أن تكون النسبة الغالبة ممن يتعرضون إلى هذا المؤثر (المنهج) يتسمون بهذه السمة أي الغلو والتطرف، إذا ما اتبعنا الأسلوب العلمي للحكم على الأمور، وبناءً عليه فإذا وجدنا خللاً في النتيجة بحيث لم يتسم الأغلبية بالغلو والتطرف فإنه لا يجوز علميًا أن نعزو الأسباب للمناهج، ووجود قلة متطرفة وهم ذوو فكر مخالف لما تحمله مناهجنا؛ ما يعني أنهم يتلقون فكرهم المنحرف من خارج هذا المنهج، وقد يكون عدد من المعلمين يحاولون فرض آرائهم الشخصية ووجهات نظرهم الخاصة والتي قد لا توافق المنهج المعتمد، فمناهج التعليم السعودي معتدلة ووسطية وهذا لا يمنع أن يتم فيها بعض التغيير، مع ضرورة التفريق بين الثابت والمتحول في تلك المناهج، والثوابت واضحة وملتزمون بها، وبالمقابل هناك جزئيات قابلة للتحويل.
ولعل الخلل يكمن في نوع التعليم وطرائقه، ومدى تأثيرهما في أنماط السلوك وفي تغير عمليات التفكير، فنظام التعليم وبرامجه وطرائقه لم يستطع أن يؤثر في السلوك، ولا يغير النظرة إلي الواقع والمحيط المادي التي اكتسبها التلميذ منذ طفولته في أسرته ومحيطه الاجتماعي؛ لأن العلوم ليست مجرد مجموعة من المعارف يحفظها المتعلم ويقوم بتذكرها وتقديمها في اختبار تحريري، كما أنها ليست سلسلة من تجارب يتم أداؤها في المختبر فقط، بل إن العلوم نشاط تعليمي يتناول القيام بمجموعة من الأنشطة العلمية تتضمن الملاحظة والتمعن في الكون، والبحث والاستقصاء بعمليات علمية يمارسها التلاميذ للوصول إلى تأكيد لحقائق ومفاهيم معروفة أو إلى حقائق جديدة، وربما حقائق أفضل، وتصحيح مفاهيم خاطئة.
ولا يكفي لأجل تجديد التعليم إدراج مواد جديدة في المناهج، بل الأمر يحتاج إلى تصور دقيق للتفكير العلمي، وتطوير خصائص المتعلم، وطرائق التدريس التي ما زالت تقليدية؛ لا علاقة لها بأية نظرية علمية، ولا تتأسس على معرفة حقيقية بنفسية التلميذ أو بقدراته العقلية والمعرفية، فما هو شائع في مدارسنا طرق تدريس تقليدية متوازنة تعتمد بقدراته العقلية والمعرفية، فما هو شائع في مدارسنا طرق تدريس تقليدية متوازنة تعتمد أساسًا على «محورية دور المعلم الذي يلقن ويقرر ويحدد وينظم، وعلى تصور المتعلم وسلبيته في مواقف النشاط والتعلم لكونه عنصرًا منفعلاً فقط، وعلى تجزيئية المواد الدراسية وترتيبها وفق اعتبارات منطقية».
المصدر :مجلة الجسور الثقافية . الرقم الجامعي: 42403675 مج:16